الكلمات المفتاحية
خلال جولة في معرض بيروت للكتاب، يستوقف الزائر الحضور الكثيف للروايات والمذكّرات والدواوين الشعرية بين الإصدارات الحديثة، حتى ليُخيّل إليه أنّ لبنان يشهد طفرة أدبية مفاجئة، وأنّ عدد الروائيين والشعراء بات ينافس عدد القرّاء! غير أنّ هذه الوفرة تثير إشكالية سوسيولوجية وثقافية تتجاوز عدد الكتب المنشورة إلى قيمتها الأدبية والفكرية، والشروط الاجتماعية التي تحكم إنتاجها وانتشارها.
وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في كثرة الإصدارات، فإتاحة الكتابة والنشر أمام شرائح اجتماعية أوسع ظاهرة إيجابية، وإنما في احتمال تحوّل النشر من ممارسة إبداعية إلى وسيلة لاكتساب المكانة والاعتراف الاجتماعي، بصرف النظر عن القيمة الفعلية للعمل المنشور.
ولفهم هذا التحوّل، يقدّم عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، من خلال مفهوم الحقل الأدبي، مدخلاً تفسيرياً مهماً. فالإنتاج الأدبي يجري داخل فضاء يتنافس فيه الكتّاب والناشرون والنقّاد على اكتساب المشروعية والرأسمال الرمزي. ويميّز بورديو بين منطق الاعتراف الذي يستند إلى معايير الحقل الأدبي، ومنطق السوق الذي تحكمه المصالح الاقتصادية والانتشار. ومن هذا المنظور، قد يتحوّل إصدار الكتاب إلى وسيلة للحصول على صفة كاتب أو روائي أو شاعر، من دون أن يقترن ذلك بالضرورة باعتراف أدبي يستند إلى قيمة العمل نفسه.
وعليه، فإنّ دخول الحقل الأدبي لا يعني امتلاك المشروعية داخله، فالنشر يمنح صاحبه حضوراً اجتماعياً، بينما تتشكّل المكانة الأدبية عبر تفاعل خصائص النصّ الفنية والفكرية مع أحكام النقّاد والقرّاء والمؤسسات الثقافية. وهنا يتبدّى الفارق بين امتلاك صفة الكاتب وامتلاك أدوات الكتابة، وبين إصدار كتاب واكتساب الاعتراف الأدبي.
ولتوضيح هذه العلاقة بين الإبداع والاعتراف، يمكن الاستشهاد برواية الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي. ففي قراءة للباحثة في الأدب العربي، الدكتورة أمل ناصر، تشير إلى أنّ دوستويفسكي يمضي في 126 صفحة يستكشف خبايا الصراعات النفسية والذهنية، ويرسم بتفاصيل دقيقة ملامح المنازل والطرقات والشخصيات، ويكشف مآسي الفقر والعوز والاستغلال، قبل أن يصل بالقارئ إلى إدراك نيّة روديون راسكولنيكوف ارتكاب جريمة. غير أنّ هذا البناء الروائي لا يتحوّل تلقائياً إلى مكانة أدبية، إذ تتشكّل هذه المكانة عبر القراءة والنقد والتأويل، ثم تتعزّز حين تتناول المؤسسات الثقافية والأكاديمية العمل وتعيد تقديمه إلى أجيال متعاقبة. وهكذا، يتحوّل الاعتراف المتراكم إلى رأسمال رمزي يمنح الرواية وصاحبها مكانة داخل الحقل الأدبي، وفق منظور بورديو.
ولا تقتصر هذه العلاقة بين الإبداع والاعتراف على دوستويفسكي، إذ تنسحب، مع اختلاف التجارب والمستويات، على جبران خليل جبران وأحمد خالد توفيق، وعلى الشعر العربي من المتنبّي إلى محمود درويش. فلم تكن قيمة هذه التجارب في مجرّد حضور أصحابها في سوق النشر، وإنما في قدرتها على إنتاج نصوص تجاوزت لحظة صدورها وأصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية.
وفي مقابل هذه النماذج، أسهم تطوّر تقنيات الطباعة وانتشار النشر المموّل من المؤلّف في تسهيل إصدار الكتب، لكنه أتاح أيضاً، في بعض الحالات، تجاوز معايير الانتقاء والتحرير والمراجعة النقدية. فحين تصبح القدرة على تمويل الكتاب كافية لإصداره، يتداخل منطق السوق مع منطق الإنتاج الثقافي. وتتعاظم الإشكالية مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قد تسبق شهرة المؤلّف قيمة مؤلَّفه، وتصبح حفلات التوقيع والتغطيات الإعلامية مؤشرات للنجاح، بينما يتراجع النقاش النقدي حول مضمون العمل.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحليل أنّ الإصدارات الحديثة تفتقر جميعها إلى القيمة، فإثبات تراجع المستوى الأدبي يحتاج إلى دراسة نقدية مقارنة. لكنّ الظاهرة تستدعي مساءلة دور النشر والمؤسسات الثقافية عن معايير الانتقاء والتقويم.
وفي المحصّلة، ليست النهضة الأدبية في أن يصبح الجميع كتّاباً، بل في أن ينتج المجتمع أدباً يستحقّ القراءة، ويترك أثراً يتجاوز لحظة صدوره.


