د. محمد موسى علوش (مدير عام مركز البحوث الدولي)
لم تكن اللغة عند بيير بورديو مجرد كلمات نصف بها العالم. فحين نسمّي شيئاً، لا نضع عليه اسماً فقط، بل نضعه داخل تصنيف، ونمنحه معنى، ونحدد إلى حد بعيد الموقع الذي سيحتله في أذهان الناس. والقدرة على تسمية الأشياء، بهذا المعنى، ليست قدرة لغوية فحسب، بل شكل من أشكال السلطة.
فالحدث الواحد يمكن أن يكون ثورة أو تمرداً، والفعل نفسه يمكن أن يكون مقاومة أو إرهاباً، والتنظيم المسلح يمكن أن يكون "حركة مقاومة" أو "ميليشيا"، والإجراء الاقتصادي يمكن أن يسمى إصلاحاً أو إملاءً. وفي كل مرة لا تتغير الكلمة وحدها؛ تتغير معها شبكة كاملة من المعاني والأحكام والمواقف.
هذا ما يجعل التسمية جزءاً من الصراع على العالم الاجتماعي. فالقوة لا تتمثل دائماً في إجبار الناس على تبني موقف ما؛ قد تكون أكثر فاعلية حين تنجح في فرض الكلمات التي يفكرون من خلالها في ذلك الموقف. وإذا نجحت في فرض التصنيف، قطعت نصف الطريق نحو فرض الحكم.
لكن ليست لكل تسمية القوة نفسها، لأن الكلمات لا تستمد قوتها من مضمونها فقط، بل أيضاً ممن ينطق بها.
وهنا يدخل مفهوم آخر عند بورديو: الرأسمال الرمزي. فحين يتكلم شخص يحمل شهادة أكاديمية، أو يُقدَّم بوصفه "خبيراً استراتيجياً" أو "أستاذاً جامعياً" أو "باحثاً اجتماعياً"، لا تصل كلماته إلى الجمهور كما تصل كلمات أي شخص آخر. فالشهادة والمعرفة تشكلان رأسمالاً ثقافياً، والاعتراف الاجتماعي بصاحبهما يحولهما إلى رأسمال رمزي يمنح الكلام سلطة إضافية.
وهنا تبدأ المشكلة التي تستحق التأمل. ماذا يحدث عندما لا يستخدم صاحب هذا الرأسمال أدوات العلم لفحص الواقع، بل يستخدم سلطة العلم لتقوية رأيه الشخصي؟
وماذا يحدث عندما تلتقي هذه الحاجة مع مؤسسة إعلامية تمتلك هي الأخرى موقفاً تريد تقديمه للجمهور، فتبحث عن أكاديمي يمنحه شرعية معرفية؟
لنأخذ مثالاً لبنانياً شديد الوضوح. حين تبدأ من تسمية حزب الله "ميليشيا"، فأنت لم تقدم معلومة محايدة ثم بدأت التحليل. لقد وضعت الظاهرة منذ اللحظة الأولى داخل تصنيف يحمل تاريخاً سياسياً وقانونياً واجتماعياً محدداً. وحين تسميه "مقاومة"، فأنت أيضاً تضعه داخل تصنيف آخر.
مهمة الباحث هنا ليست أن يختار المصطلح الذي ينسجم مع مشاعره ثم يبني عليه تحليله، بل أن يسأل: ما المعايير التي تجعل تنظيماً ما مقاومة؟ وما المعايير التي تجعله ميليشيا؟ وهل تنطبق؟ وما السياق التاريخي والسياسي والقانوني الذي نشأت فيه الظاهرة؟
الأمر نفسه يحدث في تفسير الحرب على لبنان. فعندما يقال منذ البداية أنّ سلاح المقاومة هو سبب الحرب، تكون علاقة سببية كاملة قد أُدخلت في صياغة المشكلة قبل إثباتها. يصبح السؤال: كيف تسبب السلاح بالحرب؟ بدلاً من السؤال السابق علمياً: لماذا وقعت الحرب أصلاً؟ وما المتغيرات والقرارات والسياقات التي أنتجتها؟ وهل كانت ستقع في غياب هذا العامل؟ وما الأدلة التي تسمح بعزل سبب عن بقية الأسباب؟
الفرق هنا ليس سياسياً فقط، بل منهجي. فالباحث يبدأ من السؤال ثم يبحث عن الجواب. أما صاحب الموقف فيبدأ من الجواب ثم يبحث عما يثبته.
وعندما يظهر خبير على الشاشة ليمنح العلاقة السببية المفترضة لغة أكاديمية، يصبح رأسماله الرمزي جزءاً من صناعة الاقتناع. فالمشاهد لا يسمع مجرد رأي سياسي؛ إنه يسمع رأياً وتحت اسم صاحبه عبارة "خبير استراتيجي" أو "باحث في العلاقات الدولية".
لكن الظاهرة لا تقتصر على السياسة. في حلقة إعلامية خُصصت لمناقشة ما عُنون بـ"زواج المتعة" من زاوية اجتماعية سوسيولوجية، استُضيفت دكتورة وباحثة في علم الاجتماع لمّحت في الفيديو الترويجي إلى أنه "تشريع للدعارة".
ليست القضية هنا الدفاع عن الزواج المؤقت أو مهاجمته، بل سؤال أكثر اتصالاً بعلم الاجتماع نفسه: ماذا فعل علم الاجتماع في عبارة كهذه؟
ما المفهوم الذي أنتجها؟ وما المعيار الذي استندت إليه؟ وما الدراسة التي قادت إليها؟ وماذا أضاف لقب "دكتورة في علم الاجتماع" إلى حكم يستطيع أي إنسان أن يطلقه انطلاقاً من موقفه الديني أو الثقافي؟
بل إن السوسيولوجيا كان يفترض أن تبدأ خطوة قبل ذلك، من التسمية نفسها.
لماذا اختير إعلامياً "زواج المتعة" وليس "الزواج المؤقت" في مقابل "الزواج الدائم"؟ لتسمية (المتعة) أصلها الفقهي، لكن الكلمات تكتسب في التداول الاجتماعي دلالات تتجاوز أصولها. وكلمة المتعة في الوعي المعاصر تستدعي الجنس واللذة بصورة أسرع من استدعائها للعقد، فيصبح الانتقال الذهني من المتعة إلى "الدعارة" أقصر.
كان يفترض على باحثة اجتماعية أن تفكك هذا المسار، لا أن تكمله.
وهنا نعود إلى بورديو: من يفرض الاسم لا يصف الواقع فقط، بل يساهم في إنتاج الطريقة التي يُدرَك بها.
ولا يعني ذلك أن عالم الاجتماع مطالب بتأييد الظاهرة التي يدرسها. عندما درس إميل دوركايم الانتحار، لم تكن وظيفته أن يحب الانتحار أو يبرره أو يدينه. كان سؤاله: لماذا تختلف معدلاته بين الجماعات؟ وما علاقتها بدرجات الاندماج والضبط الاجتماعيين؟ وماذا تكشف ظاهرة تبدو فردية عن بنية المجتمع؟
يستطيع عالم الاجتماع أن يمتلك موقفاً أخلاقياً ودينياً وسياسياً واضحاً، وأن يصل بعد الدراسة إلى نتائج شديدة النقد. لكن هناك فارقاً بين النقد بوصفه نتيجة للتحليل، والحكم بوصفه بديلاً عن التحليل.
ومن هنا قمت بصياغة مفهوم المثقف الأداتي.
ليس المثقف الأداتي هو المثقف صاحب الموقف، فكل مثقف يعيش داخل مجتمع وتاريخ وثقافة ويحمل قيماً وتصورات. إنما هو المثقف الذي يوظف رأسماله الثقافي والرمزي لا لفحص موقفه إن كان صائباً أم لا معرفياً وعلمياً، بل لمنحه سلطة إضافية بصرف النظر عن مدى صوابيته.
المثقف الأداتي هو الذي بدلاً من أن يسأل هل تصمد قناعتي أمام الأدلة؟ يسأل، ولو بصورة غير واعية، كيف أستخدم معرفتي لإثبات ما أعتقده أصلاً؟
وهنا يلتقي المثقف الأداتي بما أسمّيه الإعلام الأداتي.
فالإعلام الأداتي، لا يبحث بالضرورة عن الباحث الأكثر قدرة على كشف الحقيقة، ونشر المعرفة، بل عن الخبير الأكثر ملاءمة للرواية التي يريد إنتاجها.
فإذا أراد الإعلام الأداتي إثبات أن المقاومة ميليشيا، وجد خبيراً يشرح ذلك. وإذا أراد إثبات أن سلاحها سبب الحرب، استضاف من يبدأ من هذه النتيجة. وإذا أراد تقديم ظاهرة اجتماعية باعتبارها انحرافاً، اختار متخصصاً يمنح هذا الحكم لغة أكاديمية.
وهكذا لا يعود الضيف مصدراً للمعرفة والحقيقة، بل مصدراً للشرعية.
إذا كنت تعرف مسبقاً ما سيقوله ضيفك، واخترته تحديداً لأنه سيقوله، فأنت لا تبحث عن خبير، بل تبحث عن شاهد!!
وتنشأ هنا علاقة تبادل شديدة الأهمية:
الإعلام الأداتي يمنح المثقف الأداتي المنصة والانتشار، فيراكم المثقف الأداتي رأسمالاً رمزياً إضافياً، والمثقف الأداتي يمنح الإعلام الأداتي لقبه ومكانته، فيكتسب الموقف الإعلامي مظهراً علمياً.
أي، كل طرف منهما يضيف إلى رأسمال الآخر.
ولذلك قد نشاهد عشرات الخبراء على عشرات الحلقات من دون أن نشاهد نقاشاً حقيقياً واحداً. فالتعدد العددي لا يعني تعددية معرفية إذا كان اختيار الضيوف يجري من داخل النتيجة المطلوبة نفسها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: يفترض بالإعلام أن يستضيف الخبير لأنه لا يعرف ماذا سيقول، لا لأنه يعرف مسبقاً ماذا سيقول.
فالخبير الحقيقي قد يوافق المحطة، وقد يخالفها، وقد يقول للمذيع إن السؤال نفسه مبني على فرضية خاطئة. وقد يفكك المصطلح الذي وضعه معدّ البرنامج على الشاشة قبل أن يجيب عن السؤال. وهذه تحديداً وظيفة المعرفة: ألا تكون مطيعة.
ماكس فيبر نبّه، من زاوية أخرى، إلى ضرورة التمييز بين الحكم القيمي والتحليل العلمي. فليس الباحث إنساناً منزوع القيم، لكن عليه ألا يمنح قيمه الشخصية صفة النتيجة العلمية لمجرد أن اسمه مسبوق بلقب أكاديمي.
فالجامعة لم تمنح الباحث شهادته لكي تصبح آراؤه الشخصية أكثر حقيقة من آراء الآخرين. يفترض أن التدريب العلمي جعله أكثر قدرة على تعريف مفاهيمه، وضبط معاييره، وفحص أدلته، والشك حتى في مسلماته الخاصة.
الدكتوراه ليست مكبّر صوت للرأي الشخصي. والمشكلة، لذلك، أكبر من باحثة تحدثت عن الزواج المؤقت، وأكبر من خبير يتحدث عن المقاومة، وأكبر من محطة إعلامية بعينها.
نحن أمام علاقة يمكن تسميتها سوق الشرعية الرمزية: إعلام يمتلك المنصة والموقف ويحتاج إلى من يمنحه صفة المعرفة، ومثقف يمتلك اللقب ويحتاج إلى منصة تمنحه الحضور والاعتراف.
وعندما تلتقي المصلحتان، يمكن للرأي أن يدخل إلى الاستديو موقفاً شخصياً ويخرج منه "حقيقة علمية".
هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن نطرحه كلما ظهر خبير على الشاشة ليس فقط: ماذا قال؟ بل:
لماذا اختير هو تحديداً؟ ما المفاهيم التي استخدمها؟ من وضع أسماء الأشياء التي يتحدث عنها؟ هل فحص مقدمات السؤال أم تبناها؟ وهل كان سيستخدم المعايير نفسها لو تغيرت الجماعة أو القضية أو الموقف السياسي؟
لأن قيمة المثقف لا تكمن في قدرته على إعطاء آرائنا أسماء علمية، بل في قدرته على إخضاعها للعلم حتى عندما تكون النتيجة ضد ما نريد.
أما حين يعرف الإعلامي النتيجة قبل أن يطرح السؤال، ويختار الأكاديمي الذي سيصل إليها، ثم يستخدم الأكاديمي رأسماله الثقافي والرمزي ليمنحها سلطة العلم، فلا نكون أمام علاقة بين الإعلام والمعرفة.
نكون أمام رأي يملك الشاشة، ورأي يملك اللقب؛ الأول يحتاج إلى من يمنح موقفه شرعية المعرفة، والثاني يحتاج إلى من يمنحه سلطة المنبر.
وعندما يصبح المطلوب من العلم أن يثبت ما قرره الإعلام سلفاً، ومن الإعلام أن يمنح الرأي الشخصي هيئة الحقيقة العلمية، نكون أمام طرفين يكمل أحدهما الآخر وفق قواعد اللعبة: المثقف الأداتي والإعلام الأداتي.

