مركز البحوث الدوليللاستشارات والتدريب
جاري تهيئة تجربتك
الاختصاص: التربية والتوجيه المهني12 دقائق قراءة

التوجيه المهني ودوافع اختيار المهنة لدى تلاميذ الصف الثالث الثانوي في لبنان: دراسة ميدانية وتصوّر لإدماجه في المناهج

في أيّار من كلّ سنة، يجلس عشرات الآلاف من تلاميذ الصف الثالث الثانوي في لبنان أمام سؤالٍ واحد: ماذا ستدرس؟ ويجيب معظمهم بثقةٍ لافتة، غير أنّ هذه الثقة لا تستند، عند التدقيق فيها، إلى كثيرٍ من المعرفة. فالتلميذ الذي يقول «سأدرس الهندسة» لم يدخل في حياته مكتب مهندس، ولم يُجرِ حواراً واحداً مع من يمارس المهنة، ولا يعرف كم مهندساً يتخرّج سنوياً في هذا البلد، ولا كم وظيفةً تنتظرهم. إنّه في الحقيقة لا يختار مهنةً بقدر ما يردّد صدى ما سمعه.

والمفارقة أنّ النظام التربوي ينظّم كلّ ما سوى ذلك تنظيماً دقيقاً. فلكلّ مادّةٍ منهاجٌ وحصصٌ وكتاب وامتحان، ولكلّ هدفٍ تعلّمي مؤشّر أداء. أمّا القرار الذي تتوقّف عليه جدوى هذا كلّه، أي وجهة المتعلّم بما تعلّمه، فيُترك للصدفة، أو لحصّةٍ يتيمة يتبرّع بها موجّهٌ إن سمح الوقت وسمحت إدارة المدرسة.

ولقياس هذا الفراغ أنجزنا دراسةً ميدانية سعت إلى تحقيق ثلاثة أهداف: الكشف عن الأسس والعوامل التي يبني عليها تلميذ الصف الثالث الثانوي اختياره لمهنة المستقبل، وقياس أثر برنامج التوجيه المهني في هذا الاختيار قياساً قبلياً وبعدياً، وتوصيف واقع خدمة التوجيه المهني الرسمية في بنيتها البشرية والتنظيمية.

شملت العيّنة 480 تلميذاً وتلميذة، أي نحو ربع مجتمع الدراسة، موزّعين على سبع عشرة ثانوية رسمية في محافظتَي الجنوب والنبطية. واعتمدنا ثلاث أدوات متكاملة. الأولى استبانة قبلية طُبّقت قبل أيّ تدخّلٍ توجيهي، وتناولت المستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما، ومعلومات التلميذ عن المهن، وأسباب اختياره، ومصادر معلوماته، والجهة التي يناقش معها مستقبله. والثانية استبانة بعدية طُبّقت على 190 تلميذاً ممّن تابعوا البرنامج، وشملت المتغيّرات نفسها مضافاً إليها المعارف المكتسبة ومقدار الفائدة. أمّا الثالثة فمقابلات مقنّنة أُجريت مع أعضاء فريق التوجيه المهني الرسمي كافّة، وتناولت تكوينهم ومعايير اختيارهم وأدواتهم والصعوبات التي تعترضهم.

وقد أظهرت النتائج القبلية أنّ الميل الشخصي غير المُختبَر ورغبة الأهل يتحكّمان معاً بنحو 79% من دوافع اختيار المهنة، في مقابل أقلّ من 10% لحاجات سوق العمل، ونسبٍ أدنى للمردود المالي والمركز الاجتماعي. كما تبيّن أنّ نحو 87% من التلاميذ يستقون معلوماتهم المهنية من وسائل الإعلام العامّة، بينما لا تتجاوز حصّة النشرات ودورات التوعية والمعارض المهنية مجتمعةً نحو 10%. ولا يتجاوز عدد من يناقشون مستقبلهم المهني مع موجّهٍ مختصّ اثنين من كلّ ألف، في حين يناقشه ربعهم مع الرفاق وثلثهم مع الوالدين.

والأخطر من ذلك أنّ نحو ثلث التلاميذ، وهم على بُعد أسابيع من امتحان الشهادة الثانوية، لم يكونوا قد حدّدوا بعدُ الاختصاص الذي ينوون الالتحاق به، أو امتنعوا عن الجواب. وأمّا من حدّدوا فقد تركّز نحو 37% منهم في الطبّ والهندسة والعلوم والحقوق، وهي المهن التي تحتفظ بمكانةٍ رمزية موروثة بصرف النظر عن حجم الطلب الفعلي عليها.

وكشفت المقابلات الوجه الآخر للمسألة. فالفريق المكلّف بالتوجيه صغير العدد قياساً بعدد الثانويات والتلاميذ، ولا يضمّ متخصّصاً واحداً في العلوم التربوية أو في الإرشاد والتوجيه، وقد اختير أعضاؤه بالتكليف الإداري من دون مباراة. ويعمل هذا الفريق بلا حصصٍ مقرّرة في المنهاج، وبلا تجهيزات، وبلا دليلٍ وطني محدَّث للمهن والاختصاصات، وبلا أيّ آليّةٍ لتقويم أدائه.

وقد يُغري هذا كلّه بتفسيرٍ أخلاقي مفاده أنّ التلاميذ لا يبالون وأنّ الأهل متسلّطون، لكنّ هذا التفسير لا يصمد أمام المعطيات. فما نراه هو النتيجة المنطقية لغياب الإشارة: حين لا يتلقّى المراهق إشارةً منظّمة من المدرسة ومن سوق العمل، يملأ الفراغ بما هو متاح له، أي بذهنية العائلة، ومهنة الجار الناجح، وما تعرضه الشاشة.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على لبنان، بل تتجاوز حدوده. فبيانات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) تُظهر أنّ تطلّعات المراهقين في العالم لم تتبدّل تبدّلاً يُذكر منذ مطلع الألفية، وأنّها تزداد تركّزاً في عددٍ محدود من المهن التقليدية المرموقة، وأنّ عدم اليقين المهني لديهم تنامى بوضوح منذ عام 2018. ويلفت النظر أكثر أنّ الخلفية الاجتماعية للتلميذ تفسّر تطلّعاته التعليمية بدرجةٍ أكبر ممّا يفسّرها تحصيله الدراسي نفسه. ومعنى ذلك أنّ غياب التوجيه لا يُنتج قراراتٍ رديئة فحسب، بل يُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي من داخل المدرسة.

وللأمر ثمنٌ يمكن قياسه. فوفق مسوح إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، كانت بطالة الشباب في لبنان قبل الانهيار المالي تقارب 23%، غير أنّها بلغت لدى حاملي الشهادات الجامعية نحو 36%. وهذا يعني أنّ الشهادة الجامعية كانت، قبل الأزمة بأشهر، عاملَ مخاطرةٍ لا عاملَ حماية. ثمّ جاء الانهيار فضاعف الأرقام: إذ تخطّت البطالة العامّة 29%، وبلغت بطالة الشباب نحو 48%، أي ضِعف معدّل الراشدين، وتجاوزت العمالة غير النظامية 60% من مجمل التشغيل.

وأبلغ هذه الأرقام دلالةً ما سبق الأزمة نفسها، أي نسبة 36%، لأنّه لا يمكن تعليقه عليها. فهو التوقيع الإحصائي لاختلال المواءمة بين التكوين وسوق العمل: المشكلة ليست أنّنا نعلّم قليلاً، بل أنّنا نوجّه بلا بوصلة. وحين يصبح التعليم مساراً إلى الهجرة لا إلى الإنتاج، تخسر الدولة مرّتين، مرّةً حين تموّل تعليم أبنائها، ومرّةً حين تفقد خرّيجيها.

ويتّضح الخلل أكثر حين ننظر إلى التعليم المهني والتقني، فهو يستقبل نحو ربع تلاميذ المرحلة الثانوية في لبنان، في مقابل نحو 44% في متوسّط بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. على أنّ العدد ليس لبّ المشكلة، فالعلّة في آليّة الدخول: التلميذ اللبناني لا يقصد هذا المسار لأنّه اختاره، بل لأنّه استُبعد من سواه. وهكذا تتشكّل حلقةٌ تُغذّي نفسها بنفسها، إذ يلتحق بالمسار تلاميذ أضعف تحصيلاً، فتضعف سمعته، فينفر منه الأهل، فيزداد تركّز الضعف فيه.

والمعطيات المقارنة لا تدعم هذه الصورة الذهنية السائدة. ففي البلدان التي أحسنت تصميم هذا المسار، تقلّ البطالة لدى حاملي المؤهّل المهني الثانوي عنها لدى حاملي المؤهّل الثانوي العام، ويرتفع معدّل تشغيلهم بفارقٍ واضح في الفئات الشابّة. وفضلاً عن ذلك، يتابع أكثر من ثلاثة أرباع تلاميذ هذا المسار هناك برامج تتيح لهم الانتقال إلى التعليم العالي، ويتابع نحو ثلثهم برامج تجمع بين المدرسة ومكان العمل. أمّا عندنا فيكاد التدريب في سوق العمل أثناء الدراسة يغيب، إلّا في مدارس «التعليم المزدوج»، فيُحرم المسار من ميزته المقارنة وتبقى له وصمته.

ولا تُكسر هذه الحلقة بحملةٍ إعلامية ولا بترميم المباني، وإنّما بتدخّلٍ يسبق لحظة الإخفاق، أي بتوجيهٍ منظّم في الصف التاسع الأساسي يعرض المسار المهني خياراً أوّلياً مشروعاً، لا مخرجاً اضطرارياً.

ثمّ هناك الأهل. فقد أظهرت الدراسة أنّهم يبقون المرجعية الأولى للتلميذ قبل التدخّل التوجيهي وبعده على السواء، وهذا يعني أنّ البرنامج المدرسي أعاد ترتيب المرجعيات ولم يُزح الأسرة عن موقعها. وليس الأهل خصماً في هذه المعادلة، لكنّهم أكثر أطرافها حضوراً وأقلّها تجهيزاً. فنحو 64% من التلاميذ يطمحون إلى المهن الفكرية والعلمية العليا، في حين لا ينتمي إلى هذه الفئة من المهن سوى واحدٍ من كلّ خمسة آباء. فالأهل يوجّهون أبناءهم، إذن، نحو عالمٍ لم يعيشوه بأنفسهم، بخريطةٍ رُسمت قبل ثلاثين سنة.

يُضاف إلى ذلك أنّ قدرة الأسرة على تعريف ابنها بمهندسٍ أو طبيبٍ أو صاحب مشغل ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. ولذلك فإنّ ترك الحوار المهني للبيت وحده يُعيد إنتاج التفاوت بدل أن يخفّفه، ووظيفة المدرسة هنا أن تتيح هذا الوصول للجميع، لا أن تتركه للحظّ العائلي.

ومع ذلك فقد حملت النتائج البعدية خبراً جيّداً. فبعد برنامجٍ محدود، من بضع حصص بلا تجهيزات ولا قاعدة بيانات ولا أدوات قياس معتمدة، ارتفع إلمام التلاميذ بمعطيات المهنة التي اختاروها من نحو 60% إلى نحو 88%، وتضاعف وزن حاجات سوق العمل في معايير اختيارهم من أقلّ من 10% إلى نحو 21%، وتراجع وزن الميل غير المُختبَر، وانخفضت نسبة المتردّدين في تحديد اختصاصهم إلى الثلث تقريباً. كما برز الموجّه المهني مرجعيةً للتلميذ بعد أن كان شبه غائب، فيما تراجع دور الرفاق إلى الخُمس ممّا كان عليه. واعتبر نحو ثلاثة أرباع التلاميذ أنّ فائدة البرنامج كانت جيّدة.

ولا بدّ هنا من تحفّظٍ منهجي، فهذا القياس لم يتضمّن مجموعةً ضابطة، ما يجعل عزو التغيّر إلى البرنامج وحده أمراً محتملاً لا مؤكَّداً. غير أنّ اتّجاه التغيّر يتطابق مع ما ترصده الأدبيات الدولية، ومقداره لافت قياساً بضآلة ما استُثمر فيه. فإذا كان هذا أثر بضع حصص، فكيف يكون الحال لو امتدّ التوجيه على سنوات الدراسة كلّها؟

ومن هنا تأتي أهمية اللحظة التي يعيشها لبنان اليوم. فبعد نحو ثلاثة عقود على مناهج 1997، تُعاد كتابة المناهج اللبنانية بمقاربة الكفايات، أي بالانتقال من سؤال «ماذا يعرف المتعلّم؟» إلى سؤال «ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه، وأين؟». وهذا هو سؤال التوجيه المهني بعينه، فإن لم يجد التوجيه موقعه في منهاجٍ بُني على هذا السؤال، فمن الصعب تصوّر منهاجٍ آخر يتّسع له.

والمطلوب ليس مادّةً جديدة تُضاف إلى جدولٍ مكتظّ، ولا كتاباً يُحفظ ويُمتحَن فيه، وإنّما أن يُكتب التوجيه المهني في نصّ المنهاج نفسه. ويكون ذلك بكفاياتٍ متدرّجة تبدأ من معرفة الذات في التعليم الأساسي وتنتهي بقرارٍ معلَّل في الثالث الثانوي، وبحيّزٍ زمني مضمون لا يخضع لمزاج الإدارة، وبإلزام كلّ مادّةٍ بأن تُبيّن للمتعلّم إلى أين تقوده، وبحقٍّ لكلّ تلميذ في مقابلة توجيهٍ فردية مع مختصّ، وبقاعدة بيانات وطنية للمهن والاختصاصات تحلّ محلّ الشائعة.

فما دام التوجيه المهني قائماً على قرارات تكليفٍ إدارية، فسيبقى قابلاً للإلغاء في أيّ لحظة مهما بلغت فاعليته المُثبَتة. وما دام خارج المنهاج، فسيبقى امتيازاً يناله من حالفه الحظّ بمدرسةٍ مهتمّة، لا حقّاً يناله كلّ تلميذ. ولن يكون فاعلاً في مسيرة التلميذ ما لم يصبح جزءاً من مسيرة المنهاج نفسه.