الكلمات المفتاحية
لم يعد غريبًا أن يبدأ أحد المؤثرين يومه بالحديث عن الاقتصاد، ثم يقدّم نصائح في التربية والعلاقات الزوجية، وينهيه بتشخيص اضطراب نفسي أو اقتراح علاج طبي. لا يهتم جزء كبير من الجمهور بمؤهلاته أو حدود معرفته، لأن حضوره المتكرر وثقته العالية وعدد متابعيه صنعت له صورة الخبير. لم تُلغِ وسائل التواصل التخصصات بوصفها علومًا ومؤسسات، لكنها أضعفت حدودها في الوعي العام، وغيّرت المعايير التي يُمنح بموجبها الإنسان حق الكلام باسم المعرفة.
التخصص ليس ترفًا معرفيًّا، بل مسارًا من الدراسة والتدريب والخبرة، يكتسب صاحبه أيضًا حدود ما يعرفه. فالمتخصص الحقيقي لا يتميز بكثرة الأجوبة، وإنما بقدرته على معرفة متى يجيب، ومتى يتحفظ، ومتى يحيل السؤال إلى متخصص آخر. لكن هذا المعنى يتراجع في البيئة الرقمية لمصلحة نموذج «الخبير في كل شيء»؛ ذلك الشخص الذي يملك رأيًا جاهزًا في كل قضية، ويعرضه بلغة حاسمة لا تترك مكانًا للشك.
تتحمل المنصات جزءًا أساسيًا من هذه المشكلة. ففي معظمها، يستطيع أي مستخدم أن يكتب في تعريف حسابه أنه خبير أو معالج أو مستشار أو اختصاصي، من دون وجود آلية واضحة وثابتة للتحقق من مؤهلاته وحدود اختصاصه. وحتى عندما يذكر المتخصص الحقيقي شهاداته وخبراته، لا تأخذ الخوارزمية ذلك بالضرورة في الحسبان عند توزيع محتواه. فهي تستطيع قياس عدد المشاهدات والتعليقات والمشاركات ومدة البقاء أمام المقطع، لكنها لا تستطيع بسهولة قياس القيمة العلمية لما قيل.
لذلك، لا يظهر المتخصص للجمهور بفضل علمه وحده، بل يحتاج إلى أن يصبح مؤثرًا أيضًا: أن يتقن التصوير والمونتاج، ويختصر القضايا المركبة، ويصنع العناوين الجاذبة، وينشر باستمرار، ويفهم مزاج الجمهور والخوارزميات. وهي مهارات مهمة في التواصل، لكنها مختلفة عن الكفاءة العلمية. كثير من المتخصصين لا يملكون الوقت أو الرغبة أو المهارات اللازمة لهذا الحضور، فيبقى علمهم محدود الانتشار، بينما يتقدم من يجيد صناعة الانتباه. هنا ينقلب هرم السلطة المعرفية: في الوقت الذي تمنح المعرفة في المجال العلمي صاحبها مكانة معينة، يبرز في المجال الرقمي أنّ المكانة الرقمية تمنح صاحبها حق الادعاء بالمعرفة.
يمكن فهم هذا التحول من خلال نظرية سيكولوجية الجماهير عند غوستاف لوبون. فقد رأى لوبون أن الفرد داخل الجمهور يصبح أكثر قابلية للإيحاء والعدوى الانفعالية، وأن الجمهور ينجذب إلى الصور القوية والعبارات البسيطة والحاسمة أكثر من انجذابه إلى الأفكار المعقدة. كما أعطى أهمية للتكرار والهيبة في تثبيت الأفكار. ورغم أن لوبون كتب عن الحشود قبل ظهور العالم الرقمي بزمن طويل، فإن بعض أفكاره تساعد في قراءة الجمهور الذي يتشكل اليوم حول المؤثرين.
لم يعد الحشد يحتاج إلى الاجتماع في ساحة واحدة؛ فقد يجتمع ملايين الأشخاص حول وسم أو مقطع أو شخصية رقمية. وتنتقل العدوى الانفعالية عبر التعليقات والمشاركة وإعادة النشر، بينما تمنح أعداد المتابعين والإعجابات صاحب الحساب هيبة رقمية. وعندما يكرر المؤثر الفكرة نفسها بلغة واثقة، قد تتحول الألفة إلى قبول، والانتشار إلى دليل متوهَّم على الصحة. وهكذا لا يجتمع الجمهور دائمًا حول صاحب المعرفة الأعمق، بل قد يجتمع حول الشخص الأكثر قدرة على تحويل رأيه إلى خوف أو غضب أو دهشة أو أمل مشترك.
ولا يعني ذلك أن الجمهور عاجز عن التفكير، أو أن كل محتوى منتشر خاطئ. لكن المنصة تهيئ شروطًا تجعل الاستجابة الانفعالية أسرع من الفحص العلمي. وهي تكافئ ما يثير الجمهور لأنها تقرأ الانفعال في صورة تفاعل، ثم تمنح المحتوى مزيدًا من الانتشار. وكلما انتشر كلام الشخص، بدا أكثر خبرة؛ وكلما بدا أكثر خبرة، ازداد استعداد الناس لتصديق كلامه ومشاركته.
ويفسر نموذج احتمالية التوسّع في التفكير، الذي قدّمه ريتشارد بيتي وجون كاسيوبو، الجانب الفردي من هذه الظاهرة. فالإقناع قد يسير عبر مسار مركزي، يقوم على فحص الأدلة والمصادر ومنطق الحجة، أو عبر مسار طرفي يعتمد على مؤشرات سريعة مثل شهرة المتحدث، وجاذبيته، وثقته، وطريقة عرضه. وأمام سيل المحتوى وسرعة التصفح، يميل المستخدم كثيرًا إلى المسار الثاني. لذلك قد يبدو المؤثر أكثر إقناعًا من الباحث؛ لأن المؤثر يقول: «هذه هي الحقيقة»، بينما يقول الباحث: «تشير النتائج، ضمن شروط وحدود معينة، إلى احتمال كذا». وقد يفسر الجمهور الحذر العلمي بوصفه ضعفًا، والجزم غير العلمي بوصفه ثقة وخبرة.
تزداد خطورة ذلك في موضوعات الطب والصحة النفسية والتربية والعلاقات الأسرية، حيث لا تبقى المعلومة مجرد رأي، بل قد تؤثر في قرار علاجي أو علاقة زواجية أو مستقبل طفل. كما قد يؤدي اختلاط المسميات إلى وضع الطبيب النفسي والاختصاصي والمعالج ومدرب الحياة وصانع المحتوى في مرتبة واحدة، مع أن تكوينهم وصلاحياتهم ومسؤولياتهم مختلفة.
لا يكون الحل بإسكات الناس أو حصر النقاش العام بأصحاب الشهادات، بل بإعادة بناء الحدود بين الرأي والتجربة الشخصية والمعلومة المتخصصة. تحتاج المنصات إلى تصنيف مهني موثّق يختلف عن توثيق الهوية أو شهرة الحساب، يُظهر مجال تخصص الشخص وحدوده. ويحتاج الجمهور إلى أن يسأل قبل التصديق: ما مؤهلات المتحدث؟ ما مصدر كلامه؟ هل يتحدث ضمن اختصاصه؟ وهل يعرض دليلًا أم تجربة شخصية؟
ويتحمل المتخصصون بدورهم مسؤولية الحضور بلغة واضحة وقريبة من الناس؛ لأن ترك الفضاء الرقمي فارغًا يسمح لمن يجيد التأثير بأن يحتل مكان من يملك المعرفة. فأخطر ما فعلته وسائل التواصل ليس أنها سمحت للجميع بالكلام، بل إنها جعلت القدرة على جذب الانتباه تبدو، أحيانًا، كأنها قدرة على إنتاج الحقيقة.


